محمد جواد مغنية
342
في ظلال نهج البلاغة
والباطل خفيف وبيء » أي وخيم العاقبة . ولو تعايش الناس بالباطل في كل شيء ما قامت الحضارات ، ولا تأسست المدن والمجتمعات . ( واعلموا انكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ) . المراد بالرشد الحق . وتسأل : إن ظاهر هذا الكلام غير مستقيم ، لأنه يربط معرفة الرشد بمعرفة التارك له . . والعكس هو الصحيح ، فكيف نعرف فاعل الرشد والتارك له إذا كنا نجهل معنى الرشد وهل يميز القاضي بين المحق والمبطل ، وهو يجهل معنى الحق . قال الإمام للحارث الهمداني : « إن دين اللَّه لا يعرف بالرجال ، فاعرف الحق تعرف أهله » . الجواب : لا يريد الإمام ( ع ) بقوله هذا أن يحدد معنى الرشد ، ولا هو بصدد ذلك ، وانما يريد أن ينبه الأذهان إلى أن المؤمن عليه أن يتبرأ ويكافح أهل الفساد والضلال ، وان على المخلص أن يحارب الخائنين والمعتدين ، ولا يجوز أن يعتزل ويقول : ما لي وللناس بل عليه أن يجاهد وينتصر للحق وأهله ، قال سبحانه لنبيه الكريم : * ( « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * - 73 التوبة » . وبكلام آخر : ان الاسلام في مفهوم الإمام إيجابي لا سلبي ، فهو يحرم الظلم ، وفي نفس الوقت يوجب محاربة الظالمين . ( ولن تأخذوا بميثاق الكتاب ) لن تعملوا به ( حتى تعرفوا الذي نقضه ) وتقاوموه وتشهروا به وتنفروا الناس منه ( ولن تمسّكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ) عطف تفسير على ما قبله ( فالتمسوا ذلك ) أي التمسك بالقرآن ( عند أهله ) وأهل القرآن هم أهل البيت بشهادة جدهم الرسول ( ص ) الذي ، قال : تركت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه ، وعترتي أهل بيتي ، لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض . رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأبو داود ، وغيرهم كثير ( انظر كتاب حديث الثقلين للشيخ محمد قوام الدين القمّي ) . ( فإنهم عيش العلم ) أي حياته ، بقرينة قوله : ( وموت الجهل ) . وبالعلم يفترق الجنس البشري عن سائر المخلوقات : ولولا العلم لكانت النملة بغرائزها أكثر إثارة للدهشة من الانسان ( هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم ) . المراد بالحكم هنا كل ما تركوه من آثار في الشريعة وغيرها ، وحكمهم في باب القضاء